في إطار الفعاليات الثقافية التى يُنظمها مركز تاريخ مصر، شارك فى ندوة 18 فبراير 2010 بأوراق بحثية كل من الدكتور عبدالوهاب بكر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الزقازيق والدكتور رفعت السعيد المفكر والكاتب المعروف ورئيس حزب التجمع ، والدكتورة سعيدة محمد حسنى أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة قناة السويس وأدارها الدكتور على بركات أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة حلوان .
وفى هذا المناخ غير المواتى ظهر أحمد عبود ( 2مايو 1889 - 28 ديسمبر1963) الذى ينتمى إلى أسرة من الطبقة المتوسطة فى القاهرة ؛ التحق بمختلف مراحل التعليم المصرى ثم درس الهندسة ، وسافر بعد ذلك إلى جلاسجو حيث تعلم كمهندس مدنى، ثم عمل فى البداية - أوائل القرن العشرين - فى شركة بريطانية ، ثم بمشروع كبير للرى فى العراق ، وفى سكك حديد فلسطين وسوريا ، وعاد إلى مصر1922 وكان بنك مصر قد بدأ العمل ، مثلما كانت تشهد مصر مرحلة من التحول الدستورى وبداية الملكية ، وبدء مرحلة جديدة من الصراع الاقتصادى بين البورجوازية المصرية والهيمنة الغربية .
فى تلك الأثناء عمل عبود كمقاول توريدات للقوات البريطانية ، وانتخب عضوا بمجلس الشورى عام 1926 ثم مُنح الباشوية 1931 لنجاحه فى إنشاء ترعة الفؤادية ، وتوالت نجاحاته حتى أصبح من كبار الأثرياء وامتلك شركة بواخر البوستة الخديوية ، وأصبحت سفنها تجوب البحار والمحيطات رافعة العلم المصرى ، وأهمية هذه الصفقة أنها كانت من علامات التمصير؛ فقد تم تأسيسها فى عهد محمد سعيد باشا ، تحت اسم الشركة المجيدية ، ثم تطورت في عهد الخديو إسماعيل باسم العزيزية ، وفى عام 1873 سُميت مصلحة البوستة الخديوية وبيعت فى فبراير 1898 إلى شركة إنجليزية بثمن بخس إلى أن اشـتراها عبود باشا ، وأثبت للعالم أن أبناء مصر قادرون على استعـادة أمجادها ، وفى عام 1938اشترى شركة السكر والتكرير المصرية وطور مصانعها ، ثم دخل مجال الاستثمار في الأسمدة وصناعة الورق والكيماويات وغيرها حتى غدا نموذجا من نماذج الرأسمالية الوطنية.
وفى الندوة نفسها شارك الدكتور رفعت السعيد ببحث مطول عن " مسارات مختلفة للنموذج الرأسمالى المصرى " ، ومما يلفت النظر اتخاذه الأسلوب المُقارن بين مصر وأوروبا والظروف التاريخية التى لازمت كلاً منهما في مراحل النهوض والتطور، وفى هذا الإطار يستعرض مراحل تاريخية عديدة منذ فجر التاريخ الحديث مرورًا بعصر النهضة والثورة الصناعية وانتهاءً بالتاريخ المُعاصر، ومفهوم الملكية وكبار وصغار الملاك ، والعلاقات الطبقية والرأسمالية..إلخ .
ثم تناول د.السعيد أمثلة مصرية متنوعة الاستثمار والمجالات على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين زارعا الأمل فى الناشئة ؛ وعلى سبيل المثال أحد رواد النهضة العظام رفاعة الطهطاوى باعت والدته مصاغها كى تُدبر له جنيهين وهو مُتجه للدراسة فى الأزهر الشريف وبعدما حقق نجاحاته أنعم عليه الباشا (محمد على) بـ250 فدانا من أراضى طهطا، ثم منحه سعيد باشا 200 فدان ، ومنحه الخديو إسماعيل 200 فدان أخرى ، ثم اشترى900 فدان .
وفى عام 1880 كان ورثته يمتلكون 2500 فدان
وأخذ يستعرض نماذج أخرى منها : إبراهيم بك نبراوى الذى اختاره محمد على باشا حكيمباشى لنفسه وخاصته ، ومنحه رتبة أميرآلاى واشتهر بين العائلات الكبيرة (الفاميليات) ، فقد كان ابن فلاح فقير ؛ أرسله والده ليبيع بطيخا فلم تربح تجارته وفقد رأسماله ، وخاف العودة إلى أهله فالتحق بالأزهر ودرس الطب وحصل على رتبة ملازم ، وأوفد فى بعثة إلى فرنسا أثبت فيها نبوغا وتفوقا ؛ فعاد مُعلما بمدرسة طب قصر العيني ، ولما مات خَلّف لورثته 1700فدان .
وتمضى هذه الورقة البحثية المُهمة فى تناول نماذج متنوعة للعائلات والأفراد من مختلف محافظات ومدن مصر ، ثم يُحلل د. السعيد ذلك فى ضوء العلاقة بين السلطة والمثقف ودور الحكومة فى التعليم ، وأثر ذلك فى مُنجزات الوطن وتقدمه أو تعثره ؛ مرورا بالفترة الخديوية فالملكية وانتهاءً بالفترة الناصرية ، وهو بحث مُزود بالأرقام والإحصاءات والجداول والبيانات ذات الدلالة ، والتى تفيد الباحث كثيرا فى التفسير
أما المُشاركة الثالثة فكانت للدكتورة سعيدة محمد حسنى عن " دور اليهود فى الرأسمالية المصرية خلال النصف الأول من القرن العشرين " وتبرز أهمية هذه الدراسة من كونها تتناول اليهود باعتبارهم كانوا يُشكلون شريحة من شرائح المجتمع المصرى ، وشاركوا فى عديد من مجالات الاستثمار ؛ وإن بدوا يُمثلون حلقة وسطى بين الرأسمالية الأوربية والرأسمالية الوطنية ، وذلك قبل ثورة يوليو 1952 وقيام حركة التمصير الكُبرى ، فيما يُعرف بقرارات التأميم .
وقد تتبعت د. سعيدة تلك المجالات الاستثمارية اليهودية ، وخاصة في التجارة والصناعة، وكذلك في مجال المواصلات البرية والبحرية ..،إلخ ، وذلك بالتوازى المُقارن مع نمو الرأسمالية المصرية ، وذلك للوقوف على الإيجابيات والسلبيات وإدراك نقاط القوة والضعف فى كل منهما .
