دار الكتب والوثائق" تُبحر في تاريخ مصر والنيل عبر العصور»
تاريخ الخبر:
2026/08/12
تاريخ النشر:
2026/08/12
الفئة:
ندوات
د/ أسامة طلعت :«نهر النيل هو الجامع للهوية المصرية.. وأحياء القاهرة التاريخية شاهدة على تحولات مجراه عبر العصور»
طارق سيد توفيق: «المصري القديم لم يستقر عند الوادي إلا بعد التغير المناخي.. ونعارمر سلك النيل لحماية "الكون المصري"»
إسحاق عجبان: «مصر ليست فقط هبة النيل بل "هبة المصريين".. والتقويم القبطي هو الامتداد المباشر لدورة الفيضان والزراعة»
ياسر إسماعيل عبد السلام:«مقياس الروضة تجسيد للعبقرية الهندسية للفرغاني.. ومراسم وفاء النيل ظلت مرآة لاستقرار الدولة واقتصادها»
في إطار احتفالات وزارة الثقافة بـ "وفاء النيل"، واستمراراً لدورها في صون التراث القومي وتعميق الوعي بالهوية التاريخية، نظمت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، برئاسة الأستاذ الدكتور أسامة طلعت، ندوة ثقافية موسعة بعنوان "مصر والنيل عبر العصور"، شارك في إلقاء المحاضرات بها قامات أكاديمية بارزة، تضم كلّاً من: الأستاذ الدكتور طارق سيد توفيق (أستاذ الآثار والحضارة المصرية القديمة ووكيل كلية الآثار بجامعة القاهرة)، والأستاذ الدكتور إسحاق عجبان (عميد معهد الدراسات القبطية السابق)، والأستاذ الدكتور ياسر إسماعيل عبد السلام (أستاذ ورئيس قسم الآثار الإسلامية والقبطية بكلية الآثار بجامعة القاهرة)، وذلك بحضور الأستاذ الدكتور مينا رمزي (رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب)، والدكتور أشرف قدوس (رئيس الإدارة المركزية للمراكز العلمية)، والدكتورة رشدية ربيع (رئيس الإدارة المركزية لدار الوثائق القومية).
استُهلت فعاليات الندوة بالسلام الجمهوري لجمهورية مصر العربية، أعقبته كلمة افتتاحية ترحيبية ألقاها الأستاذ الدكتور أسامة طلعت، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، رحب خلالها بالحضور والضيوف المشاركين، مؤكداً القيمة الحضارية والتوثيقية الاستثنائية لنهر النيل بوصفه الشريان النابض للحياة والجامع للهوية المصرية على مر العصور، وشاهداً على عبقرية الشخصية المصرية، وقد تولت الأستاذة مروة الشريف، مدير إدارة النشر بالهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، إدارة فعاليات الندوة وتنظيم مداخلاتها.
وانطلقت الندوة بكلمة الأستاذ الدكتور طارق سيد توفيق، والتي جاءت بعنوان "نشأة الحضارة المصرية ومفهوم الكون المصري"؛ حيث تناول التحول التاريخي لبيئة مصر منذ نحو سبعة آلاف عام، موضحاً أن المصري القديم كان يستقر أولاً في الصحراوين الشرقية والغربية عندما كانتا بيئة "سافانا" خضراء تعيش فيها الفيلَة والزراف ومختلف الحيوانات، وهو ما تؤكده النقوش الصخرية القديمة.
وأشار إلى أنه عقب حدوث التغير المناخي وزحف التصحر، اتجه المصريون نحو وادي النيل ومنخفض الفيوم بحثاً عن الماء، حيث تعلموا الزراعة التي أدت إلى الاستقرار ونشأة القرى ثم المدن، وصولاً إلى قيام مملكتي الشمال والجنوب.
تطرق د. طارق إلى مرحلة توحيد البلاد، مستعرضاً دلالة وصول الملك "نعارمر" عبر النهر لتحقيق مفهوم "السما تاوي" (توحيد الأرضين) وحماية حدود "الكون المصري" دون تدمير المنشآت الداخلية للمدن، كما دعت إلى الاعتماد على الوثائق الوطنية بدلاً من المراجع الأجنبية الاستعمارية، واختتم بالتأكيد على أن تجسيد النيل في شخصية "حابي" لم يكن كمعبود لاهوتي تقليدي—إذ لم تُبنَ له معابد خاصة—بل كان تجسيداً بصرياً وإعلامياً للجانب الإيجابي والمعطاء وللخير الوفير الذي يمثله "وفاء النيل"، حيث صُوِّر بجسد ممتلئ ليخاطب الفئات التي لا تجيد القراءة برمزية الشبع والرخاء.
ثم انتقلت الكلمة إلى الأستاذ الدكتور إسحاق عجبان، الذي استعرض البعد التراثي والقبطي لنهر النيل، مستهلاً حديثه بالربط بين أصل كلمة "النيل" والجذر القبطي "ني يارو/نيالو" واللفظ اليوناني "نيلوس"، ومؤكداً مقولة المفكر جمال حمدان بأن مصر ليست فقط هبة النيل بل أيضاً "هبة المصريين"، ثم استعرض التطور الجيولوجي للنيل عبر العصور الخمسة الممتدة لنحو خمسة ملايين سنة، وصولاً إلى عصر "النيونيل" وتشكُّل أرض مصر الخصبة (كيمي)، كما أوضح ارتباط النيل بالفلك والتقويم منذ رصد الشروق الاحتراقي لنجم الشعرى اليمانية (سوبدت) ومرسوم كانوب (238 ق.م)، وانعكاس ذلك في الفنون والرموز التاريخية مثل تمثال معبود النيل المحاط بـ 16 طفلاً يرمزون لأذرع الفيضان.
وأوضح د. إسحاق امتداد هذا الموروث في الحضارة القبطية من خلال التقويم القبطي (تقويم الشهداء)، بوصفه امتداداً مباشراً للتقويم المصري القديم القائم على دورة الفيضان والزراعة إلى جانب أبعاده الكنسية، واختتم ببيان المكرمة الدينية للنيل، لافتاً إلى ورود ذكره صراحة أو رمزياً عدة مرات في الكتاب المقدس (مثل اسم "شيحور" بفرعه الشرقي)، ومستشهداً بالوصف البلاغي الخالد الذي رفعه عمرو بن العاص للخليفة عمر بن الخطاب والذي جسّد من خلاله عبقرية النيل وتغيُّر المشاهد الجمالية لمصر بين اللؤلؤة البيضاء، والعنبرة السوداء، والزمردة الخضراء بروعه وجلال.
ثم جاءت كلمة الأستاذ الدكتور ياسر إسماعيل عبد السلام حول "أثر النيل في العمارة والحضارة الإسلامية"؛ حيث استهل كلمته بالتأكيد على المكانة المحورية للنيل كشريان للحياة، مستشهداً بآراء المؤرخين كالمسعودي وابن عبد الحكم، ومشيراً إلى التحول الفكري والعائلي بالحد من العادات القديمة وإلغائها عقب رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى نيل مصر، ثم استعرض د. ياسر النهضة العمرانية والهندسية لإدارة المياه، مسلطاً الضوء على "المقياس الكبير" بالروضة (247 هـ / 861 م) الذي تصدى لتصميمه المهندس أحمد بن محمد الحاسب الفرغاني؛ حيث شرح العبقرية الهندسية في اختيار الموقع جنوب الجزيرة لتقليل الطمي، وتصميم بئر المقياس المكون من ثلاثة مستويات لامتصاص ضغط المياه والتربة، والارتكاز على قاعدة جرانيتية وطبلية من خشب الجميز لثبات العمود الرخامي وتحديد السياسات الاقتصادية والمالية للدولة بناءً على منسوب المياه.
وتناول د. ياسر التطور التاريخي لتقاليد ورسوم الاحتفال بوفاء النيل؛ موضحاً كيف استقرت في العصر الفاطمي وعبر العصر الأيوبي—سيما في عهد السلطان صلاح الدين والكامل محمد واهتمامهما بتخليق المقياس وعمارة الجسور—وصولاً إلى العصر المملوكي بفرعيه البحري والجركسي. ولفت إلى حرص كبار السلاطين كالظاهر بيبرس، والمنصور قلاوون، والناصر محمد، والظاهر برقوق على الانتظام في فتح الخليج وتخليق العمود، متطرقاً إلى البعد الاجتماعي والروحي المتمثل في اللجوء للصيام وتلاوة القرآن والدعاء في الصحراء عند تأخر الفيضان، لتظل مراسم النيل عبر العصور الإسلامية مرآة حقيقية تعكس الحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لمصر.
وفي مداخلة ختامية شائقة لـ الأستاذ الدكتور أسامة طلعت بعنوان "أسماء ومسميات من القاهرة مرتبطة بالنيل"، استعرض التطور التاريخي والجغرافي لأماكن قاهرية استمدت تسميتها من مجرى النيل؛ حيث أوضح أن "باب البحر" كان يقع عند نهاية السور الأيوبي (في ميدان رمسيس حالياً) حين كان النيل يصل إلى تلك المنطقة قبل أن ينحسر بالطمي، وسُمي بالبحر لخصوصية الثقافة المصرية في إطلاق اسم "البحر" على النيل، وهو الباب الذي أُضيف له لاحقاً باب حديدي فسمي "باب الحديد" وبُنيت قبالته محطة قطار مصر، كما تناول أصل تسمية "باب اللوق" الممتدة من "أرض اللوق" المنخفضة في العصر الأيوبي، والتي كانت تُغمر بالفيضان وعند انسحابه تُزرع لكونها أرضاً لينة وطريّة (من لَاقَ الشيءَ يَلُوقُهُ لَوْقاً أي الشيء اللين)، قبل أن يُنشأ بها بابٌ ثم يردم الخديوي إسماعيل الجزء المطل على النيل ليتشكل "ميدان الإسماعيلية" (التحرير حالياً)، مؤكداً أثر النيل الممتد في صياغة جغرافية العاصمة ولغتها اليومية